العودة   منتدى رؤى و تطوير > عام في الرؤى والتطوير > منتدى القرآن الكريم > تفسر القرآن الكريم
 

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 01-01-2010, 05:24 PM   #1
سهام
مشرفة القسم الإسلامي والإستشارت الاجتماعية
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 977

افتراضي سورة البقرةالآية رقم(173)

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ




" إِنَّمَا " كَلِمَة مَوْضُوعَة لِلْحَصْرِ , تَتَضَمَّن النَّفْي وَالْإِثْبَات , فَتُثْبِت مَا تَنَاوَلَهُ الْخِطَاب وَتَنْفِي مَا عَدَاهُ , وَقَدْ حَصَرَتْ هَاهُنَا التَّحْرِيم , لَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَتْ عَقِيب التَّحْلِيل فِي قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَات مَا رَزَقْنَاكُمْ " فَأَفَادَتْ الْإِبَاحَة عَلَى الْإِطْلَاق , ثُمَّ عَقَّبَهَا بِذِكْرِ الْمُحَرَّم بِكَلِمَةِ " إِنَّمَا " الْحَاصِرَة , فَاقْتَضَى ذَلِكَ الْإِيعَاب لِلْقِسْمَيْنِ , فَلَا مُحَرَّم يَخْرُج عَنْ هَذِهِ الْآيَة , وَهِيَ مَدَنِيَّة , وَأَكَّدَهَا بِالْآيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِعَرَفَة : " قُلْ لَا أَجِد فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمهُ " [ الْأَنْعَام : 145 ] إِلَى آخِرهَا , فَاسْتَوْفَى الْبَيَان أَوَّلًا وَآخِرًا , قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي تِلْكَ فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

الْمَيْتَةَ

فِيهِ اِثْنَا عَشْرَة مَسْأَلَة

الْأُولَى : نُصِبَ بـ " حَرَّمَ " , و " مَا " كَافَّة . وَيَجُوز أَنْ تَجْعَلهَا بِمَعْنَى الَّذِي , مُنْفَصِلَة فِي الْخَطّ , وَتُرْفَع " الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير " عَلَى خَبَر " إِنَّ " وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن أَبِي عَبْلَة . وَفِي " حَرَّمَ " ضَمِير يَعُود عَلَى الَّذِي , وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى : " إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْد سَاحِر " [ طَه : 69 ] . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر " حُرِّمَ " بِضَمِّ الْحَاء وَكَسْر الرَّاء وَرَفْع الْأَسْمَاء بَعْدهَا , إِمَّا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَإِمَّا عَلَى خَبَر إِنَّ . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر بْن الْقَعْقَاع أَيْضًا " الْمَيِّتَة " بِالتَّشْدِيدِ . الطَّبَرِيّ : وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ اللُّغَوِيِّينَ : التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف فِي مَيْت , وَمَيِّت لُغَتَانِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيْره : مَا قَدْ مَاتَ فَيُقَالَانِ فِيهِ , وَمَا لَمْ يَمُتْ بَعْد فَلَا يُقَال فِيهِ " مَيْت " بِالتَّخْفِيفِ , دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " إِنَّك مَيِّت وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ " [ الزُّمَر : 30 ] . وَقَالَ الشَّاعِر : لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ إِنَّمَا الْمَيْت مَيِّت الْأَحْيَاء وَلَمْ يَقْرَأ أَحَد بِتَخْفِيفِ مَا لَمْ يَمُتْ , إِلَّا مَا رَوَى الْبَزِّيّ عَنْ اِبْن كَثِير " وَمَا هُوَ بِمَيْتٍ " وَالْمَشْهُور عَنْهُ التَّثْقِيل , وَأَمَّا قَوْل الشَّاعِر : إِذَا مَا مَاتَ مَيْت مِنْ تَمِيم فَسَرَّك أَنْ يَعِيش فَجِئْ بِزَادِ فَلَا أَبْلَغ فِي الْهِجَاء مِنْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَيِّت حَقِيقَة , وَقَدْ ذَهَبَ بَعْض النَّاس إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ شَارَفَ الْمَوْت , وَالْأَوَّل أَشْهَر .


الثَّانِيَة : الْمَيْتَة : مَا فَارَقَتْهُ الرُّوح مِنْ غَيْر ذَكَاة مِمَّا يُذْبَح , وَمَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ فَذَكَاته كَمَوْتِهِ , كَالسِّبَاعِ وَغَيْرهَا , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه هُنَا وَفِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


الثَّالِثَة : هَذِهِ الْآيَة عَامَّة دَخَلَهَا التَّخْصِيص بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ الْحُوت وَالْجَرَاد وَدَمَانِ الْكَبِد وَالطِّحَال ) . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَكَذَلِكَ حَدِيث جَابِر فِي الْعَنْبَر يُخَصَّص عُمُوم الْقُرْآن بِصِحَّةِ سَنَده . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم مَعَ قَوْله تَعَالَى : " أُحِلّ لَكُمْ صَيْد الْبَحْر " [ الْمَائِدَة : 96 ] , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه هُنَاكَ , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَأَكْثَر أَهْل الْعِلْم عَلَى جَوَاز أَكْل جَمِيع دَوَابّ الْبَحْر حَيّهَا وَمَيِّتهَا , وَهُوَ مَذْهَب مَالِك . وَتَوَقَّفَ أَنْ يُجِيب فِي خِنْزِير الْمَاء وَقَالَ : أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرًا قَالَ اِبْن الْقَاسِم : وَأَنَا أَتَّقِيه وَلَا أَرَاهُ حَرَامًا .


الرَّابِعَة : وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي تَخْصِيص كِتَاب اللَّه تَعَالَى بِالسُّنَّةِ , وَمَعَ اِخْتِلَافهمْ فِي ذَلِكَ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَخْصِيصه بِحَدِيثٍ ضَعِيف , قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . وَقَدْ يُسْتَدَلّ عَلَى تَخْصِيص هَذِهِ الْآيَة أَيْضًا بِمَا فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْع غَزَوَات كُنَّا نَأْكُل الْجَرَاد مَعَهُ . وَظَاهِره أَكْله كَيْف مَا مَاتَ بِعِلَاجٍ أَوْ حَتْف أَنْفه , وَبِهَذَا قَالَ اِبْن نَافِع وَابْن عَبْد الْحَكَم وَأَكْثَر الْعُلَمَاء , وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَغَيْرهمَا . وَمَنَعَ مَالِك وَجُمْهُور أَصْحَابه مِنْ أَكْله إِنْ مَاتَ حَتْف أَنْفه ; لِأَنَّهُ مِنْ صَيْد الْبَرّ , أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِم يُجْزِئهُ إِذَا قَتَلَهُ , فَأَشْبَهَ الْغَزَال . وَقَالَ أَشْهَب : إِنْ مَاتَ مِنْ قَطْع رِجْل أَوْ جَنَاح لَمْ يُؤْكَل ; لِأَنَّهَا حَالَة قَدْ يَعِيش بِهَا وَيَنْسِل . وَسَيَأْتِي لِحُكْمِ الْجَرَاد مَزِيد بَيَان فِي " الْأَعْرَاف " عِنْد ذِكْره , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


الْخَامِسَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ يَجُوز أَنْ يُنْتَفَع بِالْمَيْتَةِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَات , وَاخْتَلَفَ عَنْ مَالِك فِي ذَلِكَ أَيْضًا , فَقَالَ مَرَّة : يَجُوز الِانْتِفَاع بِهَا ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى شَاة مَيْمُونَة فَقَالَ : ( هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابهَا ) الْحَدِيث . وَقَالَ مَرَّة : جُمْلَتهَا مُحَرَّم , فَلَا يَجُوز الِانْتِفَاع بِشَيْءٍ مِنْهَا , وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَات عَلَى وَجْه مِنْ وُجُوه الِانْتِفَاع , حَتَّى لَا يَجُوز أَنْ يُسْقَى الزَّرْع وَلَا الْحَيَوَان الْمَاء النَّجِس , وَلَا تُعْلَف الْبَهَائِم النَّجَاسَات , وَلَا تُطْعَم الْمَيْتَة الْكِلَاب وَالسِّبَاع , وَإِنْ أَكَلَتْهَا لَمْ تُمْنَع . وَوَجْه هَذَا الْقَوْل ظَاهِر قَوْله تَعَالَى : " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم " [ الْمَائِدَة : 3 ] وَلَمْ يَخُصّ وَجْهًا مِنْ وَجْه , وَلَا يَجُوز أَنْ يُقَال : هَذَا الْخِطَاب مُجْمَل ; لِأَنَّ الْمُجْمَل مَا لَا يُفْهَم الْمُرَاد مِنْ ظَاهِره , وَقَدْ فَهِمَتْ الْعَرَب الْمُرَاد مِنْ قَوْله تَعَالَى : " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة " , وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِشَيْءٍ ) . وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم ( لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِإِهَابٍ وَلَا عَصَب ) . وَهَذَا آخِر مَا وَرَدَ بِهِ كِتَابه قَبْل مَوْته بِشَهْرٍ , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذِهِ الْأَخْبَار وَالْكَلَام عَلَيْهَا فِي " النَّحْل " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


السَّادِسَة : فَأَمَّا النَّاقَة إِذَا نُحِرَتْ , أَوْ الْبَقَرَة أَوْ الشَّاة إِذَا ذُبِحَتْ , وَكَانَ فِي بَطْنهَا جَنِين مَيِّت فَجَائِز أَكْله مِنْ غَيْر تَذْكِيَة لَهُ فِي نَفْسه , إِلَّا أَنْ يَخْرُج حَيًّا فَيُذَكَّى , وَيَكُون لَهُ حُكْم نَفْسه , وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنِين إِذَا خَرَجَ مِنْهَا بَعْد الذَّبْح مَيِّتًا جَرَى مَجْرَى الْعُضْو مِنْ أَعْضَائِهَا , وَمِمَّا يُبَيِّن ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الشَّاة وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنهَا لَمْ يَجُزْ , كَمَا لَوْ اِسْتَثْنَى عُضْوًا مِنْهَا , وَكَانَ مَا فِي بَطْنهَا تَابِعًا لَهَا كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا , وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهَا مِنْ غَيْر أَنْ يُوقِع عَلَى مَا فِي بَطْنهَا عِتْقًا مُبْتَدَأ , وَلَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهَا لَمْ يَتْبَعهَا فِي بَيْع وَلَا عِتْق , وَقَدْ رَوَى جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْبَقَرَة وَالشَّاة تُذْبَح , وَالنَّاقَة تُنْحَر فَيَكُون فِي بَطْنهَا جَنِين مَيِّت , فَقَالَ : ( إِنْ شِئْتُمْ فَكُلُوهُ لِأَنَّ ذَكَاته ذَكَاة أُمّه ) . خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ وَهُوَ نَصّ لَا يُحْتَمَل , وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي سُورَة " الْمَائِدَة " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


السَّابِعَة : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي جِلْد الْمَيْتَة هَلْ يَطْهُر بِالدِّبَاغِ أَوْ لَا , فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَطْهُر , وَهُوَ ظَاهِر مَذْهَبه , وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَطْهُر , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام ( أَيّمَا إِهَاب دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ) , وَوَجْه قَوْله : لَا يَطْهُر , بِأَنَّهُ جُزْء مِنْ الْمَيْتَة لَوْ أُخِذَ مِنْهَا فِي حَال الْحَيَاة كَانَ نَجِسًا , فَوَجَبَ أَلَّا يُطَهِّرهُ الدِّبَاغ قِيَاسًا عَلَى اللَّحْم , وَتُحْمَل الْأَخْبَار بِالطَّهَارَةِ عَلَى أَنَّ الدِّبَاغ يُزِيل الْأَوْسَاخ عَنْ الْجِلْد حَتَّى يُنْتَفَع بِهِ فِي الْأَشْيَاء الْيَابِسَة وَفِي الْجُلُوس عَلَيْهِ , وَيَجُوز أَيْضًا أَنْ يُنْتَفَع بِهِ فِي الْمَاء بِأَنْ يُجْعَل سِقَاء ; لِأَنَّ الْمَاء عَلَى أَصْل الطَّهَارَة مَا لَمْ يَتَغَيَّر لَهُ وَصْف عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ حُكْمه فِي سُورَة " الْفُرْقَان " , وَالطَّهَارَة فِي اللُّغَة مُتَوَجِّهَة نَحْو إِزَالَة الْأَوْسَاخ كَمَا تَتَوَجَّه إِلَى الطَّهَارَة الشَّرْعِيَّة , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .


الثَّامِنَة : وَأَمَّا شَعْر الْمَيْتَة وَصُوفهَا فَطَاهِر , لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا بَأْس بِمَسْكِ الْمَيْتَة إِذَا دُبِغَ وَصُوفهَا وَشَعْرهَا إِذَا غُسِلَ ) ; وَلِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا لَوْ أُخِذَ مِنْهَا فِي حَال الْحَيَاة فَوَجَبَ أَنْ يَكُون كَذَلِكَ بَعْد الْمَوْت , إِلَّا أَنَّ اللَّحْم لَمَّا كَانَ نَجِسًا فِي حَال الْحَيَاة كَانَ كَذَلِكَ بَعْد الْمَوْت , فَيَجِب أَنْ يَكُون الصُّوف خِلَافه فِي حَال الْمَوْت كَمَا كَانَ خِلَافه فِي حَال الْحَيَاة اِسْتِدْلَالًا بِالْعَكْسِ , وَلَا يَلْزَم عَلَى هَذَا اللَّبَن وَالْبَيْضَة مِنْ الدَّجَاجَة الْمَيِّتَة ; لِأَنَّ اللَّبَن عِنْدنَا طَاهِر بَعْد الْمَوْت , وَكَذَلِكَ الْبَيْضَة , وَلَكِنَّهُمَا حَصَلَا فِي وِعَاء نَجِس فَتَنَجَّسَا بِمُجَاوَرَةِ الْوِعَاء لَا أَنَّهُمَا نُجِّسَا بِالْمَوْتِ . وَسَيَأْتِي مَزِيد بَيَان لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَاَلَّتِي قَبْلهَا وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِمَا مِنْ الْخِلَاف فِي سُورَة " النَّحْل " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


التَّاسِعَة : وَأَمَّا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْفَأْرَة فَلَهُ حَالَتَانِ : حَالَة تَكُون إِنْ أُخْرِجَتْ الْفَأْرَة حَيَّة فَهُوَ طَاهِر , وَإِنْ مَاتَتْ فِيهِ فَلَهُ حَالَتَانِ : حَالَة يَكُون مَائِعًا فَإِنَّهُ يَنْجُس جَمِيعه , وَحَالَة يَكُون جَامِدًا فَإِنَّهُ يَنْجُس مَا جَاوَرَهَا , فَتُطْرَح وَمَا حَوْلهَا , وَيُنْتَفَع بِمَا بَقِيَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَته ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْفَأْرَة تَقَع فِي السَّمْن فَتَمُوت , فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنْ كَانَ جَامِدًا فَاطْرَحُوهَا وَمَا حَوْلهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ ) , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهِ إِذَا غُسِلَ , فَقِيلَ : لَا يَطْهُر بِالْغَسْلِ ; لِأَنَّهُ مَائِع نُجِّسَ فَأَشْبَهَ الدَّم وَالْخَمْر وَالْبَوْل وَسَائِر النَّجَاسَات , وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : يَطْهُر بِالْغَسْلِ ; لِأَنَّهُ جِسْم تَنَجَّسَ بِمُجَاوَرَةِ النَّجَاسَة فَأَشْبَهَ الثَّوْب , وَلَا يَلْزَم عَلَى هَذَا الدَّم ; لِأَنَّهُ نَجِس بِعَيْنِهِ , وَلَا الْخَمْر وَالْبَوْل لِأَنَّ الْغَسْل يَسْتَهْلِكهُمَا وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ .


الْعَاشِرَة : فَإِذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ بِالْغَسْلِ رَجَعَ إِلَى حَالَته الْأُولَى فِي الطَّهَارَة وَسَائِر وُجُوه الِانْتِفَاع , لَكِنْ لَا يَبِيعهُ حَتَّى يُبَيِّن ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْب عِنْد النَّاس تَأْبَاهُ نُفُوسهمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِد تَحْرِيمه وَنَجَاسَته , فَلَا يَجُوز بَيْعه حَتَّى يُبَيِّن الْعَيْب كَسَائِرِ الْأَشْيَاء الْمَعِيبَة , وَأَمَّا قَبْل الْغَسْل فَلَا يَجُوز بَيْعه بِحَالٍ , لِأَنَّ النَّجَاسَات عِنْده لَا يَجُوز بَيْعهَا , وَلِأَنَّهُ مَائِع نَجِس فَأَشْبَهَ الْخَمْر , وَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ثَمَن الْخَمْر فَقَالَ : ( لَعَنَ اللَّه الْيَهُود حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُوم فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانهَا وَأَنَّ اللَّه إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنه ) وَهَذَا الْمَائِع مُحَرَّم لِنَجَاسَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُحَرَّم ثَمَنه بِحُكْمِ الظَّاهِر .


الْحَادِيَة عَشْرَة : وَاخْتُلِفَ إِذَا وَقَعَ فِي الْقِدْر حَيَوَان , طَائِر أَوْ غَيْره فَمَاتَ فَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَالَ : لَا يُؤْكَل مَا فِي الْقِدْر , وَقَدْ تَنَجَّسَ بِمُخَالَطَةِ الْمَيْتَة إِيَّاهُ , وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يُغْسَل اللَّحْم وَيُرَاق الْمَرَق , وَقَدْ سُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَقَالَ : يُغْسَل اللَّحْم وَيُؤْكَل , وَلَا مُخَالِف لَهُ فِي الْمَرَق مِنْ أَصْحَابه , ذَكَرَهُ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد .


الثَّانِيَة عَشْرَة : فَأَمَّا إِنْفَحَة الْمَيْتَة وَلَبَن الْمَيْتَة فَقَالَ الشَّافِعِيّ : ذَلِكَ نَجِس لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة " [ الْمَائِدَة : 3 ] , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة بِطَهَارَتِهِمَا , وَلَمْ يَجْعَل لِمَوْضِعِ الْخِلْقَة أَثَرًا فِي تَنَجُّس مَا جَاوَرَهُ مِمَّا حَدَثَ فِيهِ خِلْقَة , قَالَ : وَلِذَلِكَ يُؤْكَل اللَّحْم بِمَا فِيهِ مِنْ الْعُرُوق , مَعَ الْقَطْع بِمُجَاوَرَةِ الدَّم لِدَوَاخِلِهَا مِنْ غَيْر تَطْهِير وَلَا غَسْل إِجْمَاعًا . وَقَالَ مَالِك نَحْو قَوْل أَبِي حَنِيفَة إِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْجُس بِالْمَوْتِ , وَلَكِنْ يَنْجُس بِمُجَاوَرَةِ الْوِعَاء النَّجِس وَهُوَ مِمَّا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْغَسْل , وَكَذَلِكَ الدَّجَاجَة تَخْرُج مِنْهَا الْبَيْضَة بَعْد مَوْتهَا ; لِأَنَّ الْبَيْضَة لَيِّنَة فِي حُكْم الْمَائِع قَبْل خُرُوجهَا , وَإِنَّمَا تَجْمُد وَتَصْلُب بِالْهَوَاءِ .
قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد فَإِنْ قِيلَ : فَقَوْلكُمْ يُؤَدِّي إِلَى خِلَاف الْإِجْمَاع , وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ بَعْده كَانُوا يَأْكُلُونَ الْجُبْن وَكَانَ مَجْلُوبًا إِلَيْهِمْ مِنْ أَرْض الْعَجَم , وَمَعْلُوم أَنَّ ذَبَائِح الْعَجَم وَهُمْ مَجُوس مَيْتَة , وَلَمْ يَعْتَدُّوا بِأَنْ يَكُون مُجَمَّدًا بِإِنْفَحَة مَيْتَة أَوْ ذُكِّيَ . قِيلَ لَهُ : قَدْر مَا يَقَع مِنْ الْإِنْفَحَة فِي اللَّبَن الْمُجَبَّن يَسِير , وَالْيَسِير مِنْ النَّجَاسَة مَعْفُوّ عَنْهُ إِذَا خَالَطَ الْكَثِير مِنْ الْمَائِع . هَذَا جَوَاب عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ . وَعَلَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام , وَلَا يُمْكِن أَحَد أَنْ يَنْقُل أَنَّ الصَّحَابَة أَكَلَتْ الْجُبْن الْمَحْمُول مِنْ أَرْض الْعَجَم , بَلْ الْجُبْن لَيْسَ مِنْ طَعَام الْعَرَب , فَلَمَّا اِنْتَشَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَرْض الْعَجَم بِالْفُتُوحِ صَارَتْ الذَّبَائِح لَهُمْ , فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَة أَكَلَتْ جُبْنًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُون مَحْمُولًا مِنْ أَرْض الْعَجَم وَمَعْمُولًا مِنْ إِنْفَحَة ذَبَائِحهمْ .

وَقَالَ أَبُو عُمَر : وَلَا بَأْس بِأَكْلِ طَعَام عَبَدَة الْأَوْثَان وَالْمَجُوس وَسَائِر مَنْ لَا كِتَاب لَهُ مِنْ الْكُفَّار مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَبَائِحهمْ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَكَاة إِلَّا الْجُبْن لِمَا فِيهِ مِنْ إِنْفَحَة الْمَيْتَة . وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ " الْجُبْن وَالسَّمْن " حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن مُوسَى السُّدِّيّ حَدَّثَنَا سَيْف بْن هَارُون عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّمْن وَالْجُبْن وَالْفِرَاء . فَقَالَ : ( الْحَلَال مَا أَحَلَّ اللَّه فِي كِتَابه وَالْحَرَام مَا حَرَّمَ اللَّه فِي كِتَابه وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ ) .


وَالدَّمَ




اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الدَّم حَرَام نَجِس لَا يُؤْكَل وَلَا يُنْتَفَع بِهِ . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَأَمَّا الدَّم فَمُحَرَّم مَا لَمْ تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى , وَمَعْفُوّ عَمَّا تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى , وَاَلَّذِي تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى هُوَ الدَّم فِي اللَّحْم وَعُرُوقه , وَيَسِيره فِي الْبَدَن وَالثَّوْب يُصَلَّى فِيهِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم " [ الْمَائِدَة : 3 ] , وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر " قُلْ لَا أَجِد فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمهُ إِلَّا أَنْ يَكُون مَيْتَة أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا " [ الْأَنْعَام : 145 ] . فَحَرَّمَ الْمَسْفُوح مِنْ الدَّم , وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : ( كُنَّا نَطْبُخ الْبُرْمَة عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْلُوهَا الصُّفْرَة مِنْ الدَّم فَنَأْكُل وَلَا نُنْكِرهُ ) لِأَنَّ التَّحَفُّظ مِنْ هَذَا إِصْر وَفِيهِ مَشَقَّة , وَالْإِصْر وَالْمَشَقَّة فِي الدِّين مَوْضُوع , وَهَذَا أَصْل فِي الشَّرْع , أَنَّ كُلَّمَا حَرَجَتْ الْأُمَّة فِي أَدَاء الْعِبَادَة فِيهِ وَثَقُلَ عَلَيْهَا سَقَطَتْ الْعِبَادَة عَنْهَا فِيهِ , أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضْطَرّ يَأْكُل الْمَيْتَة , وَأَنَّ الْمَرِيض يُفْطِر وَيَتَيَمَّم فِي نَحْو ذَلِكَ .
قُلْت : ذَكَرَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى الدَّم هَاهُنَا مُطْلَقًا , وَقَيَّدَهُ فِي الْأَنْعَام بِقَوْلِهِ " مَسْفُوحًا " [ الْأَنْعَام : 145 ] وَحَمَلَ الْعُلَمَاء هَاهُنَا الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد إِجْمَاعًا . فَالدَّم هُنَا يُرَاد بِهِ الْمَسْفُوح ; لِأَنَّ مَا خَالَطَ اللَّحْم فَغَيْر مُحَرَّم بِإِجْمَاعٍ , وَكَذَلِكَ الْكَبِد وَالطِّحَال مُجْمَع عَلَيْهِ , وَفِي دَم الْحُوت الْمُزَايِل لَهُ اِخْتِلَاف , وَرُوِيَ عَنْ الْقَابِسِيّ أَنَّهُ طَاهِر , وَيَلْزَم عَلَى طَهَارَته أَنَّهُ غَيْر مُحَرَّم , وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن الْعَرَبِيّ , قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَم السَّمَك نَجِسًا لَشُرِعَتْ ذَكَاته .
قُلْت : وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة فِي دَم الْحُوت , سَمِعْت بَعْض الْحَنَفِيَّة يَقُول : الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ طَاهِر أَنَّهُ إِذَا يَبِسَ اِبْيَضَّ بِخِلَافِ سَائِر الدِّمَاء فَإِنَّهُ يَسْوَدّ , وَهَذِهِ النُّكْتَة لَهُمْ فِي الِاحْتِجَاج عَلَى الشَّافِعِيَّة .


وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ

فِيهِ خَمْس مَسَائِل الْأُولَى : خَصَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْر اللَّحْم مِنْ الْخِنْزِير لِيَدُلّ عَلَى تَحْرِيم عَيْنه ذُكِّيَ أَوْ لَمْ يُذَكَّ , وَلِيَعُمّ الشَّحْم وَمَا هُنَالِكَ مِنْ الْغَضَارِيف وَغَيْرهَا .
الثَّانِيَة : أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَحْرِيم شَحْم الْخِنْزِير , وَقَدْ اِسْتَدَلَّ مَالِك وَأَصْحَابه عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل شَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمًا لَمْ يَحْنَث بِأَكْلِ اللَّحْم . فَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا حَنِثَ لِأَنَّ اللَّحْم مَعَ الشَّحْم يَقَع عَلَيْهِ اِسْم اللَّحْم , فَقَدْ دَخَلَ الشَّحْم فِي اِسْم اللَّحْم وَلَا يَدْخُل اللَّحْم فِي اِسْم الشَّحْم , وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى لَحْم الْخِنْزِير فَنَابَ ذِكْر لَحْمه عَنْ شَحْمه ; لِأَنَّهُ دَخَلَ تَحْت اِسْم اللَّحْم , وَحَرَّمَ اللَّه تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل الشُّحُوم بِقَوْلِهِ : " حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومهمَا " [ الْأَنْعَام : 146 ] فَلَمْ يَقَع بِهَذَا عَلَيْهِمْ تَحْرِيم اللَّحْم وَلَمْ يَدْخُل فِي اِسْم الشَّحْم , فَلِهَذَا فَرَّقَ مَالِك بَيْن الْحَالِف فِي الشَّحْم وَالْحَالِف فِي اللَّحْم , إِلَّا أَنْ يَكُون لِلْحَالِفِ نِيَّة فِي اللَّحْم دُون الشَّحْم فَلَا يَحْنَث وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم , وَلَا يَحْنَث فِي قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي إِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا , وَقَالَ أَحْمَد : إِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل لَحْمًا فَأَكَلَ الشَّحْم لَا بَأْس بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُون أَرَادَ اِجْتِنَاب الدَّسَم .
الثَّالِثَة : لَا خِلَاف أَنَّ جُمْلَة الْخِنْزِير مُحَرَّمَة إِلَّا الشَّعْر فَإِنَّهُ يَجُوز الْخِرَازَة بِهِ , وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخِرَازَة بِشَعْرِ الْخِنْزِير , فَقَالَ : ( لَا بَأْس بِذَلِكَ ) ذَكَرَهُ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد , قَالَ : وَلِأَنَّ الْخِرَازَة عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ , وَبَعْده مَوْجُودَة ظَاهِرَة , لَا نَعْلَم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْكَرَهَا وَلَا أَحَد مِنْ الْأَئِمَّة بَعْده . وَمَا أَجَازَهُ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ كَابْتِدَاءِ الشَّرْع مِنْهُ .
الرَّابِعَة : لَا خِلَاف فِي تَحْرِيم خِنْزِير الْبَرّ كَمَا ذَكَرْنَا , وَفِي خِنْزِير الْمَاء خِلَاف , وَأَبَى مَالِك أَنْ يُجِيب فِيهِ بِشَيْءٍ , وَقَالَ : أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي " الْمَائِدَة " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
الْخَامِسَة : ذَهَبَ أَكْثَر اللُّغَوِيِّينَ إِلَى أَنَّ لَفْظَة الْخِنْزِير رُبَاعِيَّة . وَحَكَى اِبْن سِيدَه عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ خَزَر الْعَيْن ; لِأَنَّهُ كَذَلِكَ يَنْظُر , وَاللَّفْظَة عَلَى هَذَا ثُلَاثِيَّة , وَفِي الصِّحَاح : وَتَخَازَرَ الرَّجُل إِذَا ضَيَّقَ جَفْنه لِيُحَدِّد النَّظَر , وَالْخَزَر : ضِيق الْعَيْن وَصِغَرهَا . رَجُل أَخْزَر بَيِّن الْخَزَر , وَيُقَال : هُوَ أَنْ يَكُون الْإِنْسَان كَأَنَّهُ يَنْظُر بِمُؤَخَّرِهَا , وَجَمْع الْخِنْزِير خَنَازِير . وَالْخَنَازِير أَيْضًا عِلَّة مَعْرُوفَة , وَهِيَ قُرُوح صُلْبَة تَحْدُث فِي الرَّقَبَة .

 

 

 

__________________


سهام غير متواجد حالياً  
موضوع مغلق

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحـــــث المتقـــــدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 12:24 PM


Powered by vBulletin® Version 3.7.2, Copyright ©2000 - 2010, by Taiba Design By 7lm

جميع الحقوق محفوظه لموقع الدكتور : حسن الذبياني